الثلاثاء، 26 يونيو، 2012

(10) دمعتان في صفّ العزاء.. Dr.Tariq Ali




ذهبت لتعزية أناس في فقيدهم، جلست على كرسي من الكراسي الموضوعة لجلوس المعزين أحدق النظر في وجوه الناس، وسبحتي تدور بين أصبعي ولساني يردد الاستغفار، ثم استقرت عيناي إلى الأمام حيث ينتهي نظري، وتحرر ذهني من قيود الوجود من حولي ليشرد في تفكير واسع طولا وعرضا، وغائص عمقا، لا أذكر الآن من قفزات فكري حينئذ إلا قضية أنني جئت هنا معزيا في غيري، وسيأتي يوم يجلس مكاني من يجيء ليعزي أهلي فيَّ، وأنا أفكر في قصر عمر الدنيا ـــ حيث ولادتي كانت بالأمس القريب وسط ضحكات وغطاريف، وفراقي سيكون في الغد القريب وسط دموع وآهات ـــ  حانت مني لفتة إلى صف العزاء، فرأيت ذويَّ الفقيد في حالة يرثى عليها، فهذا فلان.. أعرفه.. مسكين والله.. صبَّره الله، وهذا فلان.. أعرفه كذلك.. والله مسكين.. أعانه الله، وهذا فلان.. أعرفه جيدا.. يا له من مسكين.. ألهمه الله الصبر والسلوان، وهذا فلان.. أعرفه حق المعرفة... حالته تقطع القلوب، ولكن.. لحظة لحظة لحظة... أليس هذا الذي...؟ هل يعقل؟ مستحيل أن يكون هو.. لكنه هو..كيف؟ كيف يفعل هذا؟... أما كان...؟.. بلى... لكن ما الذي حصل؟... أكل هذا الحزن والبكاء لذهاب....؟ لالالالا أمر لا يصدق... فلماذا كان ما كان وفي النهاية حزن وبكاء؟ يا سيدي أما تذكرت هذا اليوم وأنت تتشاجر معه وتقاطعه الكلام وصلة الرحم؟ انظر إلى نفسك...كم أنت تشفق الناظرين بحالتك المزرية حزنا على من عاديته وقاطعته وهجرته في أيامه القليلة المتبقية من حياته.

سادتي الفضلاء: لا أعتقد أن أحدا فيه شمة مروءة أو ذوق يقف في صف عزاء لقريب له وهو يضحك أو يصفق أو يصفر أو يغطرف، لا تقف في صف العزاء إلا وأنت تبكي أو حزين لذهاب الفقيد، كذلك لا أحد فيه شمة مروءة أو ذوق سيقف في صف العزاء لك وهو يضحك أو يصفق أو يصفر أو يغطرف، إذن إما أن تبكي لي إذا سبقتك، أو أبكي لك إذا سبقتني، فلم هذه الحنة والشحناء والكراهية والحقد والقطيعة.

نسمع في كثير من البيوت ـــ نسأل الله الحماية والسلامة ـــ عن ألوان وأشكال من هجر وقطيعة الأقارب، يأتي على الواحد شهر أو شهور أو سنة أو سنوات وهو مقاطع وهاجر قريبه لمشادة كلامية أو سوء فهم لأمر يتعلق بالدنيا ذات يومين، الدنيا يا فضلاء يومان: حلو ومر، وهي وما فيها زائل وذاهب إلى الفناء، وصلة الرحم وعلاقة القربى باقية، أما رأيتم أنه في الآخرة لا وجود للدنيا، ولكن لم يقل أحد أنه لا وجود للأب أو الأم أو الأخ أو الأخت أو العم أو الخال.....، هؤلاء بذواتهم وأوصافهم موجودون، فهم باقون بأوصافهم الدنيوية، والدنيا وما فيها زائل فان، فلم يؤثر الفناء في البقاء؟.

يصعب علي أن أتصور أن أحدا لأجل عَرَض أو غرض تافه حقير يحول علاقة القربى من وجود إلى عدم، ثم يتذكر تلك العلاقة أو يردها من العدم إلى الوجود إذا انتقل صاحب الشأن من الوجود إلى العدم، ما فائدة بكائك يا هذا في صف العزاء على من جعلته ـــ طيلة حياته ـــ في عالم العدم وقد كان في عالم الوجود، اضحك يا أخي واستبشر... فها هو قد صار عدما كما قد عاش في ذهنك.

قمت أعزي ذويَّ الفقيد واحدا واحدا، حتى انتهيت إليه... التقت عينانا.. عيناي جافتان.. وعيناه مغرورقتان بالدموع، عزيته فرد علي بصوت متقطع من البكاء، وقفت قليلا أنظر إليه , ولم أتحرك من عنده إلا وقد جادت عيناي بدمعتين على خدي، لم تكونا دمعتي مجاملة، وإنما دمعةٌ على حالهما..حيث فرق الموت بينهما وهما متخاصمان مهاجران بعضهما، والأخرى على بعض القلوب...كم هي قاسية.  

(9) آفاق الوحدة الإسلامية.. Dr.Tariq Ali


لا أعجبَ من رب واحد، ونبي واحد، وكتاب واحد، ودين واحد، ثم هذا التباغض والحِنَة والشحناء والتشاتم والتقاذع فيما بيننا باسم الدين!.

يا سيدي الكريم.... خالِفْني وأخالِفُكَ في فهم النص والعمل به، ولكن لماذا يصل هذا الخلاف فيما بيننا إلى القلب؟ لماذا تكرهني؟ ألِأني خالفتُك في مسألة فقهية؟، حسنا.... إذا خالفتُك فيها فإني أوافِقُك في قولك: ربي الله، أوافِقُك في قولك: رسولي محمد، أوافِقُك في قولك: كتابي القرآن، أوافِقُك في قولك: ديني الإسلام، أوافِقُك في قولك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبالله أمَا تشفعُ لي عندك هذه الموافقات؟!..

عندما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم كان الإنسان عدو نفسه قبل أن يكون عدو غيره، وكان الناس عِضِين، فجاء الإسلام وجعلهم عِزِين، وعُصبة واحدة. الإسلام ــ يا سادة ــ روح واحدة نُفخت في أجساد متفرقة، الإسلام ــ يا كرام ــ جَمَعَنا، فما بالُنا باسم الإسلام نختلف ونكره ونبتعد !!!!!!!!!، والله من العار والشَّنَار أن نمتطي صِهاء أهوائنا ونزعاتنا، ونحارب بعضنا باسم الدين.

أعيدوا النظر في مواقفكم، أو اعرضوها على محكمة الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لا على محكمة الإسلام التي نصبناها نحن، ستجدوا الأمر خلاف ما تتوقعونه.