الاثنين، 4 يونيو، 2012

(5) اكتب اسمك على جذع الشجرة.. Dr.Tariq Ali






الذين استظلوا بظل شجرة، وأكلوا من ثمارها، وترنموا بتغاريد البلابل عليها كثيرون، وكلهم قد فارقها ومضى، ولا يذكر اللاحق منهم السابق، لأن السابق كما مضى بشخصه مضى باسمه، فلا هو مخلد ولا اسمه مخلد، أما الذين زرعوا هذه الشجرة، أو شاركوا في زراعتها، أو حافظوا عليها بالاعتناء بها، فأسماؤهم محفورة في جذعها، مكتوبة على أوراقها، ممزوجة بماء ثمارها.

كفانا استظلالا بالأشجار، والعيش على حساب الآخرين، والاستفادة من جهودهم، دون أدنى شعور وإحساس بالمسئولية المشتركة، غيرنا يبنون الأمجاد والحضارات، ويتقدمون إلى الأمام، وليس لنا من الحظوظ إلا العيش على مخلفاتهم، والرضى بالاستظلال تحت جهودهم، لم لا نبني المجد، لم لا نشارك في بناء الحضارة الإنسانية الراقية، أو على الأقل لم لا نحافظ على ما تبقى لنا من كل معنى سام يكيل في كفة الإنسانية، لم نحن عالة على غيرنا، لم نقول (غيري يقوم به).

لم لا نقوى لقول (أنا)، لم ترتفع الأصابع مشيرة في اتجاهات متعاكسة عند كل نداء للعمل، لم لا ترتفع مشيرة إلى صدورنا، متى نستشعر بالمسئولية، مسئولية الإضافة والإفادة بدلا من الاستغلال والاستفادة، لم لا نحمل بين أضلعنا قلبا قويا يضخ دما متجددا إلى عدة أجيال، لم لا نتحرر من عبودية الراحة إلى حرية التعب، إلى متى نعيش لأنفسنا، أما تعبنا من النظر إلى ذواتنا، أما كلت ألسنتنا من قول (أنا)، لم لا نعيش لغيرنا، لم لا نعيش لتحقيق أهداف عامة، بدلا من المصالح الشخصية، متى نفرغ للوقوف للحظة نرى سيلان دمعة من مقلة طفل تشتاق عينه إلى رؤية شيء اسمه أب أو أم، ويتململ لسانه لنطق (أبي أو أمي)، حكم عليه الزمان في مهده باليتم.

متى نفرغ للتجسس على أبواب نسمع من ورائها آهات أرملة تنهدت عندما تيقنت بعجزها عن السير بمفردها في ردهات الحياة المظلمة، وحولها مخلوقات مركومة يتضاغون من الجوع، متى نفرغ لسحب العصا من يد زوج جرأه الجهل والتخلف على حملها ليرسم آثار جهله على ظهر من تقول الملائكة عند ولادتها باسطة أجنحتها (ضعيفة خرجت من ضعيفة) ليس لها ذنب سوى أن والدها قال لزوجها: (وثقت فيك يا بني، فخذ حبة قلبي وأميرة بيتي وتاج رأسي أمانة لديك) وسلم المجني للجاني بيديه.

متى نفرغ لمعاناة الناس، متى نكون رحمانيين مشفقين نرحم ونشفق مستحقي ذلك، في الحقيقة عجزنا كريه المنظر قبيح مقزز فنهرب منه بالتخلص من المسئوليات، يا سادة : حل مشاكل الحياة مسئولية من يعيش فيها، واحتواء المحتاجين مسئولية المستغنين، وتعليم الأجيال اللاحقة تبني المسئوليات دون الفرار منها مسئولية الأجيال السابقة، وبناء الإنسان الكامل أو المشاركة في بنائه أو الاحتفاظ عليه مسئولية الإنسان، وبناء الحضارات والأمجاد وإيجاد الثقة في النفوس مسئولية العظماء.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق