الثلاثاء، 7 مايو، 2013

برنامج ((إشراقات في علم الحديث)) - العلامة الشيخ طارق سردار المكي.



 - برنامج ((إشراقات في علم الحديث)) على   قناة الإرث النبوي Alerth Alnabawi   للعلامة المُحدّث المُسند الأصولي الفقيه المفكر الأديب الأريب الشيخ طارق سردار الحنفي المكي - حفظه الله ورعاه ونفع به الإسلام والمسلمين بجاه سيد المرسلين - من كبار علماء أزهر الحجاز المدرسة الصولتية الشرعية (تأسست 1290هـ)، ورئيس قسم البحوث والدراسات بالهيئة العالمية، الصفحة الشخصية:
https://www.facebook.com/tariq.ali.121?fref=ts

- الصفحة العــــامة للعلامة المكي ((طارق سردار)) :

- برنامج ((إشراقات في علم الحديث)) :

المدونة الفكرية:
http://tariq1392.blogspot.com/

- الموسوعة الإسنادية العظيمة ((فهرس الفهــارس والأثبات، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات)) لمُسند الدنيا في القرن الـــ(14) الهجري، شيخ الإسلام ومُحدّث القارة الإفريقية، الإمام القطب الهمام الحافظ الحُجّة الناقد الكبير مولاي أبي الإسعاد السيد محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير الكتاني الإدريسي الحسني الفاسي الأشعري المالكي الشاذلي الدّرقاوي (1300 - 1382هـ) رضي الله عنه وعن آبائه الكرام، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. رابط التحميل المباشر:
http://www.waqfeya.com/book.php?bid=5028

- الكتاب القيم النفيس: ((منهجُ النقد في علوم الحديث)) لشيخنا الجليل مُحدّث بلاد الشام الإمام العلامة المُفسّر المُسند الفقيه الأصولي المُشارك، العارف بالله الشيخ أ. د. نور الدين عِتر الحلبي الحنفي (المولود سنة: 1355هـ/ 1935م) رضي الله عنه وعنا به في الدارين، رابط التحميل المباشر:

- الموسوعة القيمة النفيسة: ((المنهجُ السويّ.. شرحُ أصول طريقة السّادة آل باعلويّ)) لمُفتي السادة الشافعية بالمدينة المنورة الإمام العلامة الفقيه الأصولي المُحدّث المُسند المُحقّق العمدة الجليل، الداعي إلى الله بحاله ومقاله، العارف بالله الحبيب زين بن إبراهيم بن سُميط باعلوي الحُسيني الأشعري الشافعي المدني (المولود سنة: 1357هـ/ 1937م) رضي الله تعالى عنه وعن آبائه الكرام، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء... رابط التحميل المباشر:
http://www.mediafire.com/?znyno5hzyyw

- الموسوعة التاريخية الفريدة:
((النهضة الإسلامية في سير أعلامها المُعاصرين)) في (6 مجلدات ضخمة، تحتوي على تراجم علمية محررة وبديعة لـــ(200) إمام وعالم ومصلح ومجدد ومفكر ومجتهد وصوفي ومجاهد..
تأليف:
مؤرخ النهضة الإسلامية الإمام العلامة الموسوعي الحبر الكبير أ. د. محمد رجب البيومي (1342 - 1432هـ) رضي الله عنه، عضو هيئة كبـــار العلماء/ مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وعميد كلية اللغة العربية بالمنصورة، ورئيس تحرير مجلة ((الأزهر)) العالمية...رابط التحميل المباشر لـ المجلد (1) و (2):
http://www.waqfeya.com/book.php?bid=5403

الأحد، 28 أكتوبر، 2012

(14) تأملاتٌ في دُروب التنوير.. Dr.Tariq Ali



من عجائب خلق الله تلك الجواهر التي مازجت الأجسام  ذات الأبعاد الثلاثة المحدودة، والتي إن حجَّمها الخيال باعتبار الأعراض القائمة بها ألفاها مدَّ نظره من الجهات الست .

يعرف الفلاسفة العقل بـ (الجوهر المجرد عن المادة في ذاته المقارن لها في أفعاله)، والعلماء وإن اختلفوا في نسبته من الجسم ــ علاقةً ومحلاًّ ــ إلا أنهم أجمعوا على أنه الفارق الذي يُفرز النوع الإنساني عما يشاركه في جنسية الكائن الحي. وبتدقيق النظر في انفعالات العقل الفكرية يخلص الناظر إلى ثلاث نتائج يصلح وصفها بسمات العقل وهي: مرونته التصورية، وسرعته الإدراكية، وسعته الاكتسابية، والأمر الثالث منها هو الذي إن ترجمته ألفاظ العقل لرادفت (هل من مزيد؟!)، وهو الذي يعبر عنه بغذاء العقل أو شهوته - ولا مشاحة في الاصطلاح -.

فالعقل جوهر له متطلباته التي يضمن من خلال تحققها ثلاثة أهداف: حياته، ونموه، والتسلح الوقائي ضد سريان ألد أعدائه وهو الجهل والمحدودية إلى النقاط المركزية محققا بذلك التوازن الاستراتيجي في خارطة أحكامه النظرية. بيد أن الإنسان الذي كتب الله للعقل نكاحه قد تتغلب على بعض أفراده نظرية الوكس في قضية متطلباته إلى حد التهميش بل قصد التهميش، في حين أنه يشعى حثيثا في إشباع شهواته الأخرى كالطعام والشراب والراحة واللهو حتى الفضول في بعض الأحيان، وما ذلك إلا لأن هذا البعض قد جَبَل نفسه على الاستجابة للمحسوسات والاشتطاط على غيرها، وبتوغل هذا البعض في كافة شرائح المجتمع وطبقاته أمست استغاثات العقل وأنّاته ظاهرة اجتماعية تثقل الكفة السلبية مرتقبة النظر في طرفي الداء - السبب والعلاج -.

قد يستغرب البعض إلى حد الضحك والسخرية إذا لفتَّ نظره إلى العقل ومتطلباته، أو عرضت عليه مشروع تخصيص جزء من وقته المستنزف في نزّات الجسد للتفكير في الحفاظ على حيوية العقل بتنميته وتطويره، الأمر الذي يدل على أن قضية العقل لم تخطر ببال الكثير منا -  وعدم شغل بعض القضايا أفكارنا دليل على استهانتنا بها وتحقيرنا من شأنها - فأرى أن السبب الجوهري في إهمال العقل استهانة الواحد منا بقضيته أو عدم الشعور أصلا بأهميته، وإلا كيف يتصور مضي الأربع والعشرين المضروبة في السبعة المضروبة في الأربعة المضروبة في الاثني عشر دون أن يشعر بعضنا أنه كما هو مسئول عن التفكير في أشياء كثيرة هو مسئول بالأولية والأولوية عن التفكير في عقله ومتطلباته وتحقيقها؟ ما هذا إلا لذاك .

ينِضُّ البعضُ حواسَّه الخمسة الظاهرية مستعينا بتجاويف الدماغ وحواسِّه الخمسة الباطنية في تطوير ذاته جسديا، ولكن هل خطر في زحام وظائفه المرؤوسة للجسد أن يطور ذاته ثقافيا وعلميا؟ يأتي الجواب سريعا (مالي وللثقافة ما دمت أرفل في بُردي الصحة والمرح)، إذن عمى بعضنا أو تعاميه عن مبدأ تطوير الذات عقليا من أسباب تقهقر العقل في السلم التوظيفي لصلاحياتنا .

العلاقة الطردية العكسية بين الآباء والأبناء محاطة بهالة من الشفقة والحب المستلزمة لإملاء الآباء خبراتهم وتجاربهم على صحائف عقول الأبناء البيضاء، ولكن هل حثَّ الرعيل السابق الرعيل اللاحق على تبني مبدأ تطوير العقل ثم مبدأ الاستمرار والدوام على ذلك دون تحديده بسن أو مرحلة خاصة؟ أرى كثيرا من الآباء والأمهات بعد تجاوزهم قنطرة إشباع رغبات الأبناء إن أرادوا إساغة لقمة التعليم الغصّة في حلوق أبنائهم أساغوها بكؤوس من الإغراءات بنيل الشهادة ثم الفوز بالوظيفة ثم أخيرا الدخول في جنة المرتبات والماديات، فأين نصيب العقل من هذا التاريخ إذا تجردت أول فرص غذائه - وهي فرصة التعلم - من الاقتناع النابع عن مسئولية الفرد عن سمو عقله؟ ويزداد الطين بلة عندما تُسخّر هذه الفرصة لثقل الماديات كهدف أولي ونهائي، وهكذا يقنع العقل من الغنيمة بالقفول، فأرى أن توليد الأجيال تلو الأجيال مع عدم تطعيمها بمصل تسخير ما يسمى بالعلم حالا والمادة مآلا للعقل وتطويره سبب لظن البعض أن العقل وغذاءه موهوبان للمادة مقيدان بقنواتها، وهذا الظن أشد تأثيرا في محو الهوية الإنسانية من الانشطار النووي .

(من رزق القناعة رزق الغنى)، (القناعة كنز لا يفنى) قاعدتان هادفتان تَغُتّان في حياض الاقتصاد، لكن الأسوأ من جهل توظيف القواعد توطئتها لأخطائنا وإخفاقاتنا كعِلّة مبررة، فالبعض قنوع بثقافة عقله وتطوره المحدود بشهادة برّاقة أو منصب مرموق إما جهلا عن سعة اكتسابات العقل - كما أسلفنا -ـ وإما استنكافا عن الاستزادة والاستمرار، ضرورة أن السير إلى مقام الكمال يقتضي نقصان ما قبله من المقامات، وهذا البعض غير مستعد البتّة للتسليم بمبدأ النقصان خصوصا إذا خصّ شخصه، فأرى أن رضانا وارتياحنا لثقافات عقولنا إلى درجة الاكتفاء والقناعة خنق وتضييق لها، على أن القناعة في الفضائل فشل .

إن خطاب التحاور الثنائي والجماعي الذي يسمعه مجتمعنا يؤكد أن للمجتمع دورا فعالاً في تعليق الشمع الأحمر على أبواب العقول، فلو استقرأنا أو قمنا - فرضاً - بإحصائية عن نجوى أي نجيّين أو أطروحة بعض المجالس فكم يا ترى تكون نسبة تداول المواضيع الفكرية والثقافية والعلمية في هذه الهياكل الاجتماعية؟ الواقع يشهد بأن أغلب مفردات الحوار خالٍ عن المادة الغذائية لتطوير العقل ثقافيا وفكريا وعلميا، بل بعضه ساقط في هوة الانحطاط والابتذال إلى درجة يعجز المرء خجلا عن وصفه، وبما أن الشئ قد يكون متأثرا ومؤثرا في آن واحد فكذلك المجتمع هو متأثر من بعض العقول اللانامية ومؤثر في العقول الفطرية وأحيانا النامية أيضا.

هذه هي الحقائق التي نتعايشها مع صبغها - وبكل أسف -ـ بصبغتي الرضا والتسليم، ومع رفضنا مبدأ التغير والتغيير، مع أن الكون الذي يحيطنا قطره موصوف بالتغير، غير أنه هل خطر ببال أحدنا: أن استشعار الفرد بمسئوليته عن قضية العقل واكتساباته وشغل هذه القضية جزءاً غير قليل من أوقات فكره احترام للعقل ومظهر من مظاهر شكر الله على آلائه، وأن تبني مبدأ التطوير الذاتي ثقافيا وفكريا إلى حد العقيدة ثم تفعيل هذا المبدأ وطرحه عمليا ضمين لتغيراتنا السلوكية إيجابيا، وأن تربية النشء على استقلالية العقل وحقه في الموارد العلمية والمعرفية قَمِنٌ بتغيير مستقبل التاريخ، وأن عدم الرضا بمنازل عقولنا ثورة دموية ضد الجمود الفكري ومحاولة ناجحة لتحرير الذات والمجتمع من استعمار الجهل، وأن الرقي بلغة المجتمع من التقليدية العقيمة إلى الغائية المنتجة الهادفة دقة ناقوس بين يدي الحضارة .
كثير من النتائج شطّت عن نطاق قراراتنا، وهجرت مواقع أهدافنا، ونفِست على فقر عقولنا، حتى أضحى العقل يتعجب من الفلاسفة إذ عرفوه بـــــــــــــــــــــــ(الجوهر المجرد)!.

(13) رب زدني علماً.. Dr.Tariq Ali



أنا لا أوافقك الرأي البتة، لكن ثق تماماً أنني سأقاتلُ بجنونٍ كل من حاول إسكاتكَ عن إبداءِ رأيك. لك حقان علي ولي حق عليك، فمن حقك علي أن تبدي رأيك بكل حرية وشفافية، ومن حقك علي أن أحسن استماعي إليك بكل احترام وإجلال، ومن حقي عليك أن أخالفك الرأي. قد نختلف في الآراء، لكن لا بد أن نتفق في الحرية والاحترام .

(12) اقرأ باسم ربك.. Dr.Tariq Ali



ما حُرم شيءٌ من شيءٍ مثلَ حرمان العيون من القراءة، وحرمان الأنامل من الأقلام، لستُ أدري كيف يطيق نفسه من لا يقرأ، وكيف يتحمل الذي لا يكتب ما بصدره من الأحاسيس والمشاعر والمعاني المتزاحمة، حقاً هناك أمة صابرة ومتحملة، أما أنا فعدم القراءة وعمى العيون عندي مترادفان، وعدم الكتابة والانفجار النووي متقاربان .

الأربعاء، 12 سبتمبر، 2012

السّلام عليك أيها النبيّ! .. Dr.Tariq Ali



((اللَّهُـــمَّ صَـــلِّ عَلَــــى سَيِّدِنَا مُحَمَّــــدٍ عَبْدِكَ وَرَسُــــولِكَ النَّبِيِّ الأُمِّـــيِّ وَعَلَـــى آلِهِ وَصَــــحْبِهِ وَسَلِّــــمْ تَسْلِيماً بِقَدْرِ عَظَـــمَةِ ذَاتِكَ فِي كُـــلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ((.


Dr. Tariq Ali

يَا سَائِلِي لِمْ لَمْ تُغَنِّ قَصِيــــــــــــــــــــــدَةً
فِي حُسْـــــــــــــــــنِ طــــهَ مُحَمَّدٍ وَتُؤَلِّفِ

فَأَجَبْتُهُ: أَوَ مَا تَرَى مَــــــــــــــــدْحَ النَّبِيْ
لَمْ يَحـْــــــــــــــــــوِهِ تَعْرِيفُ أَيِّ مُعَــــرِّفِ

(حَسَّانُنَا) ثُمَّ (البُوصَيْرِيْ) بَعْـــــــــدَهُ
وَكَــذَاكَ (نَبْهَانِـيُّــــــــنَا) وَالمُقْتَـــــــــــــــفِي

آثَــــــــــــــــــــــارَهُمْ (كُـــتْـبِـيُّــنـَـا) كُلٌّ لَـــــــــــــهُ
شِعْرٌ جَمِيــــلٌ يَا لَــــــــــــــــهُ مِنْ وَاصِفِ

لَكِنْ تَسَـــــــــــــــــــامَى حُسْنُه حَتَّى تَرَى
أَشْعَــــــــارَهُمْ قَصُرَتْ فَقُلْتُ لَأَكْتَفِي

بِبَيْتِ شِعْــــــــــــــــرٍ وَاحِدٍ يَحْــــوِي عَلَى
جُلِّ المَحَـــــــاسِنِ وَحْدَهُ بَلْ قَدْ يَفِي

((وَعَلَى تَفَنُّنِ وَاصِفِيهِ بِحُسْـــــــــــــــــــنِهِ
يَفْنَى الزَّمَانُ وَفِيهِ مَا لَــــمْ يُوصَفِ((

*****************

الثلاثاء، 26 يونيو، 2012

(10) دمعتان في صفّ العزاء.. Dr.Tariq Ali




ذهبت لتعزية أناس في فقيدهم، جلست على كرسي من الكراسي الموضوعة لجلوس المعزين أحدق النظر في وجوه الناس، وسبحتي تدور بين أصبعي ولساني يردد الاستغفار، ثم استقرت عيناي إلى الأمام حيث ينتهي نظري، وتحرر ذهني من قيود الوجود من حولي ليشرد في تفكير واسع طولا وعرضا، وغائص عمقا، لا أذكر الآن من قفزات فكري حينئذ إلا قضية أنني جئت هنا معزيا في غيري، وسيأتي يوم يجلس مكاني من يجيء ليعزي أهلي فيَّ، وأنا أفكر في قصر عمر الدنيا ـــ حيث ولادتي كانت بالأمس القريب وسط ضحكات وغطاريف، وفراقي سيكون في الغد القريب وسط دموع وآهات ـــ  حانت مني لفتة إلى صف العزاء، فرأيت ذويَّ الفقيد في حالة يرثى عليها، فهذا فلان.. أعرفه.. مسكين والله.. صبَّره الله، وهذا فلان.. أعرفه كذلك.. والله مسكين.. أعانه الله، وهذا فلان.. أعرفه جيدا.. يا له من مسكين.. ألهمه الله الصبر والسلوان، وهذا فلان.. أعرفه حق المعرفة... حالته تقطع القلوب، ولكن.. لحظة لحظة لحظة... أليس هذا الذي...؟ هل يعقل؟ مستحيل أن يكون هو.. لكنه هو..كيف؟ كيف يفعل هذا؟... أما كان...؟.. بلى... لكن ما الذي حصل؟... أكل هذا الحزن والبكاء لذهاب....؟ لالالالا أمر لا يصدق... فلماذا كان ما كان وفي النهاية حزن وبكاء؟ يا سيدي أما تذكرت هذا اليوم وأنت تتشاجر معه وتقاطعه الكلام وصلة الرحم؟ انظر إلى نفسك...كم أنت تشفق الناظرين بحالتك المزرية حزنا على من عاديته وقاطعته وهجرته في أيامه القليلة المتبقية من حياته.

سادتي الفضلاء: لا أعتقد أن أحدا فيه شمة مروءة أو ذوق يقف في صف عزاء لقريب له وهو يضحك أو يصفق أو يصفر أو يغطرف، لا تقف في صف العزاء إلا وأنت تبكي أو حزين لذهاب الفقيد، كذلك لا أحد فيه شمة مروءة أو ذوق سيقف في صف العزاء لك وهو يضحك أو يصفق أو يصفر أو يغطرف، إذن إما أن تبكي لي إذا سبقتك، أو أبكي لك إذا سبقتني، فلم هذه الحنة والشحناء والكراهية والحقد والقطيعة.

نسمع في كثير من البيوت ـــ نسأل الله الحماية والسلامة ـــ عن ألوان وأشكال من هجر وقطيعة الأقارب، يأتي على الواحد شهر أو شهور أو سنة أو سنوات وهو مقاطع وهاجر قريبه لمشادة كلامية أو سوء فهم لأمر يتعلق بالدنيا ذات يومين، الدنيا يا فضلاء يومان: حلو ومر، وهي وما فيها زائل وذاهب إلى الفناء، وصلة الرحم وعلاقة القربى باقية، أما رأيتم أنه في الآخرة لا وجود للدنيا، ولكن لم يقل أحد أنه لا وجود للأب أو الأم أو الأخ أو الأخت أو العم أو الخال.....، هؤلاء بذواتهم وأوصافهم موجودون، فهم باقون بأوصافهم الدنيوية، والدنيا وما فيها زائل فان، فلم يؤثر الفناء في البقاء؟.

يصعب علي أن أتصور أن أحدا لأجل عَرَض أو غرض تافه حقير يحول علاقة القربى من وجود إلى عدم، ثم يتذكر تلك العلاقة أو يردها من العدم إلى الوجود إذا انتقل صاحب الشأن من الوجود إلى العدم، ما فائدة بكائك يا هذا في صف العزاء على من جعلته ـــ طيلة حياته ـــ في عالم العدم وقد كان في عالم الوجود، اضحك يا أخي واستبشر... فها هو قد صار عدما كما قد عاش في ذهنك.

قمت أعزي ذويَّ الفقيد واحدا واحدا، حتى انتهيت إليه... التقت عينانا.. عيناي جافتان.. وعيناه مغرورقتان بالدموع، عزيته فرد علي بصوت متقطع من البكاء، وقفت قليلا أنظر إليه , ولم أتحرك من عنده إلا وقد جادت عيناي بدمعتين على خدي، لم تكونا دمعتي مجاملة، وإنما دمعةٌ على حالهما..حيث فرق الموت بينهما وهما متخاصمان مهاجران بعضهما، والأخرى على بعض القلوب...كم هي قاسية.  

(9) آفاق الوحدة الإسلامية.. Dr.Tariq Ali


لا أعجبَ من رب واحد، ونبي واحد، وكتاب واحد، ودين واحد، ثم هذا التباغض والحِنَة والشحناء والتشاتم والتقاذع فيما بيننا باسم الدين!.

يا سيدي الكريم.... خالِفْني وأخالِفُكَ في فهم النص والعمل به، ولكن لماذا يصل هذا الخلاف فيما بيننا إلى القلب؟ لماذا تكرهني؟ ألِأني خالفتُك في مسألة فقهية؟، حسنا.... إذا خالفتُك فيها فإني أوافِقُك في قولك: ربي الله، أوافِقُك في قولك: رسولي محمد، أوافِقُك في قولك: كتابي القرآن، أوافِقُك في قولك: ديني الإسلام، أوافِقُك في قولك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبالله أمَا تشفعُ لي عندك هذه الموافقات؟!..

عندما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم كان الإنسان عدو نفسه قبل أن يكون عدو غيره، وكان الناس عِضِين، فجاء الإسلام وجعلهم عِزِين، وعُصبة واحدة. الإسلام ــ يا سادة ــ روح واحدة نُفخت في أجساد متفرقة، الإسلام ــ يا كرام ــ جَمَعَنا، فما بالُنا باسم الإسلام نختلف ونكره ونبتعد !!!!!!!!!، والله من العار والشَّنَار أن نمتطي صِهاء أهوائنا ونزعاتنا، ونحارب بعضنا باسم الدين.

أعيدوا النظر في مواقفكم، أو اعرضوها على محكمة الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لا على محكمة الإسلام التي نصبناها نحن، ستجدوا الأمر خلاف ما تتوقعونه.

الثلاثاء، 5 يونيو، 2012

(8) المثالية في الحب.. Dr.Tariq Ali





الحب، أو حب الشيء، ترجمته بلغة التطبيق أو الواقع أو التفعيل هي (امتلاك المحبوب)، هذه هي الترجمة الدارجة، أو المألوفة المشهورة، أو المعمول بها في شريحة المحبين، لا أقول أبدا إن هذه الترجمة خاطئة، رجاء تذكروا رأيي هذا إلى نهاية مقالتي هذه، أنا (لا أقول أبدا إن هذه الترجمة خاطئة)، ولكني أقول إن هذه الترجمة خاطئة إذا كانت على وجه الإطلاق، أو أقول بخطأ قصر أو حصر ترجمة الحب بــــ (امتلاك المحبوب)، أو أقول بخطأ ادعاء عدم وجود ترجمات أخرى للحب غير المذكور، يا سادتي : قد يترجم الحب بأمر آخر وهو (ترك المحبوب، أو الابتعاد عنه، أو تخلية سبيله، أو عدم تملكه)، أعني أنه ليس من اللازم أن يمتلك المحب محبوبه، بل قد يعبر عن الحب بأرق المعاني وأدق الأحاسيس من خلال البعد عن المحبوب أو تركه أو عدم تملكه، ثم بعد هذه المقدمة، وقبل الشروع في المقصود، أحب أن أنبه الجميع إلى أن المحبوب في كلامي أعم من أن يكون بشرا.

هناك ما يسمى بالحب، وهناك ما يسمى بالأدب في الحب، أو الفضيلة والمثالية في الحب، لكن للأسف الشديد أن الحب إذا امتلك قلب الشخص أو تربع على عرشه أو نفذ من  شغافه إلى سويدائه، ألهمه بعدم تحمل البعد عن المحبوب، أو صعوبة العيش بدونه، إلهاما يصرف نظره تماما عن قضية الأدب في الحب أو المثالية فيه، حتى تبدأ مرحلة المساعي واتخاذ الحيل والتسبب المفرط في امتلاك المحبوب.

لكني أريد أن ألفت أنظار المحبين قبل مباشرتهم الأسباب لهذا النوع من التملك إلى التوقف هنيهة والتفكر في قضية المثالية والفضيلة، والإجابة على هذه الأسئلة:

1 ــ هل مثلك جدير وأهل لأن يمتلك مثله؟

2 ــ أو هل مثله جدير وأهل لأن يمتلكه مثلك؟

3 ــ أو هل مثلك جدير وأهل لأن يفي بقيمة وقدر مثله؟

4 ــ أو هل مثلك جدير وأهل لأن يحافظ على سر وسحر جاذبية مثله؟.

كثير من المحبوبين ضاعوا وأوذوا وأهينوا وذلوا على أيدي محبيهم ـــ طبعا بعد تملكهم إياهم ـــ، وكثير من المحبوبين ضاعت عليهم فرص إسعاد الآخرين لوقوعهم سجناء وأسرى في أغلال محبيهم، وكثير منهم كان الغير يستطيع أن يمنحوهم قيمتهم وقدرهم ووزنهم الحقيقي لولا وقوعهم في شراك محبيهم، وكثير منهم زالت أو تلاشت مميزاتهم وخصائصهم التي تتهافت القلوب إليهم لأجلها بعدما سلموا أنفسهم لمحبيهم، كثير منهم نادم على أنه كان يوما ما محبوبا، كثير منهم يشك في مصداقية الحرفين الحاء والباء.

يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كراهية السكنى بمكة، هل لنقص في مكانتها ؟ حاشاه وحاشاها، وإنما حب مكة قاد الإمام إلى الأدب مع المحبوب، والأدب مع المحبوب تارة يقتضي تركه والابتعاد عنه خوفا من إساءة الأدب معه. لسنا في صدد مناقشة المسألة فقهيا، وصف آرائنا بجانب رأي الإمام، وإنما نحن في صدد ضرب أمثلة للشعور الراقي اتجاه المحبوب.

كانت والدتي رحمها الله رحمة الأبرار عندما تخرج  للبحث عن زوجات لأبنائها تشترط شرطا غريبا، وهو ألا تكون الفتاة من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، هل لنقص في مكانتها ؟ حاشاها وحاشاها، التصاهر مع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم شرف لا يضاهيه شرف، ولكن حبها لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قادها إلى الأدب مع المحبوب، فخافت أن يسيء أبناؤها معاملة (الشريفة أو السيدة أو المنسوبة) فتقع ويقعون في إساءة الأدب مع المحبوب أو عدم تعظيمه وإعطائه المكانة اللائقة به.لسنا في صدد مناقشة رأيها وموقفها، وإنما نحن في صدد ضرب أمثلة لترجمة الحب ترجمة غير مألوفة.

فقير أحب فتاة غنية ثرية، علمت عن حبه فبادلته الشعور، وزادت قصة حب جديدة على القصص الطافحة المخزونة في مكتبات أذهاننا، وفجأة اختلق الفقير أمرا أسقطه من عيني محبوبته الغنية، هجرته باكية، وهجرها باك، ثم ضحكت عندما تزوجت من كفئها، وظل باكيا طول حياته، وعندما سئل لم اختلقت ما أوجب الهجر والبكاء ؟ أجاب : رأيتها سعيدة في بيت أبيها سعادة لا أستطيع أن أجلب لها ربع عشرها، فأحببت أن لا يحصل فارق في سعادتها، فخليتها حتى تموت سعيدة كما عاشت سعيدة، لسنا في صدد تصويب أو تخطئة قرار الفقير، وإنما نحن في صدد ضرب أمثلة لنماذج  المتأدبين مع المحبوبين.

من باب إذا ذكر السادة ذكر الخدم أقول : كنت قبل أمس في المعرض الدولي للكتاب بالرياض، فوقعت عيني على كتاب في علم التربية وقع عين رجل آخر عليه، بادرته بأخذه وضمه إلى صدري ثم الهرولة سريعا إلى المحاسب، كي يعلن نكاحي منه فأستره من أعين الغير غيرة عليه، ما أن وصلت إلى المحاسب إلا تبعني ذلك الوقح سائلا المحاسب وهو يشير إلى الكتاب في يدي (هل هناك نسخة أخرى لهذا الكتاب؟) فأجابه المحاسب ما خيب أمله، فرأيت الحزن يكسو وجهه الجميل، فسألته عن سبب حرصه لامتلاك هذا الكتاب، فأجاب بأنه في المرحلة الأخيرة من إعداد رسالة الدكتوراه، ولا ينقصه من المراجع إلا هذا الكتاب، فعلمت أنه لم يكن وقحا وإنما محبا مزاحما في المحبوب، فاستغفرت الله لسوء الظن، ورجعت إلى نفسي محاورا لها وقلت إن هذا الكتاب أحبه حبا شديدا ولكني على يقين أنني إذا امتلكته سيبقى في رف الدولاب لدي مدة ليست بقصيرة حتى يأتي دوره في القراءة، فتبقى معلوماته سجينة ومحبوسة لدي مدة طويلة، وليس لها ذنب سوى أنني أحببتها، ولكن إذا اقتناها هذا الشخص سيسافر بهذه المعلومات من كتابها إلى كتابه، والسياحة جميلة، والتنقل من مكان لآخر له  شعور رائع، فما كان مني إلا أن ناولته هذا الكتاب من شدة حبي له وحبي الأكيد لاستفادة  من هو أجدر مني منه، وحرصي على أن يكون محبوبي دائم التألق والبروز، متمسكا ومحافظا على سر جاذبيته. لسنا في صدد تحليل موقفي هذا، وهل أنا أحمق أو لا عند تنازلي عن محبوبي لغيري، وإنما نحن في صدد إثبات ما نقوله وندعو إليه بالتطبيق. 

الحب لا يحتاج إلى التعلم، وإنما يأتي عرضا فيتمكن من القلب قال الشاعر :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى..

فصادف قلبا خاليا فتمكنا..

لكن نعم.. الأدب في الحب والمثالية فيه غائب عن الكثير منا، فلا يلومني أحد إذا أضعت وقته الثمين في قراءة ملاحظتي هذه.


الاثنين، 4 يونيو، 2012

(7) رجلٌ من الهــند عشقها!.. Dr.Tariq Ali






جاء مع زوجته وأولاده من الهند إلى مكة في عهد الملك عبد العزيز ـــ رحمه الله ـــ بمهنة ممرض، فعمل في مستشفى بها للحكومة الهندية، كان يقدس عمله وأسرته تقديسا ليس له نظير، فهما كل شيء في حياته، وبحكم قرب بيته من المسجد الحرام كان يرتاد إليه ويطوف بالكعبة المشرفة، كثر ارتياده إلى المسجد الحرام وطوافه بالبيت العتيق، وفجأة تعلق قلبه به، فصار لا يصبر عن الذهاب إليه، ازداد تعلقه، فصارت عادته أن يبدأ بالطواف كل يوم في الصباح قبل ذهابه إلى العمل، ويختم بالطواف بعد الظهيرة قبل رجوعه إلى البيت، ازداد تعلقه، فخصص وقتا ثالثا، فكان يصلي يوميا المغرب فيه ثم يطوف إلى العشاء فيصليها ثم يعود إلى البيت، ازداد تعلقه، فكان أحيانا يقوم في نصف الليل ويذهب إليه، عشق المسجد الحرام وعشق الكعبة المشرفة وعشق مكة، فأضاف إلى قائمة المقدسات لديه ثالثا ورابعا وخامسا.

لم يكن يظن أبدا أن قوة تستطيع أن تحول بينه وبين معشوقاته الثلاثة، حتى حصل ما ليس في الحسبان، وجهت إليه الحكومة الهندية رسالة تشعره بانتهاء عقده، وتطالبه بالرجوع إليها، وقع الخبر عليه وعلى أسرته المكونة من زوجته وأولاده الصغار غالبهم من البنات كالحكم بالإعدام، فبلا أدنى تفكير أو تردد رفض الامتثال، كرر توجيه الرسالة، فازداد إصرارا، فصارت ترد حاملة إنذارات بفصله من العمل، لم يبال ولسان حاله يقول : فليفعلوا ما شاءوا فلن أترك مكة ولن أعيش في غير كنف الكعبة، ذاع موقفه العنيد وسط الجالية الهندية، فاستدعاه نائب القنصل الهندي وكلمه في إعادة النظر، لم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة، وقال كلمته المشهورة، فعندما اجتمع بنائب القنصل في المسجد الحرام بعد صلاة الجمعة وحول القنصل جمع غفير من أهل الهند، وأخبره النائب بتهديد الحكومة الهندية بفصله من العمل، قال : يا سيدي لن يخرجني من هذه البلدة لا أنت ولا الحكومة الهندية، وإنما الذي يخرجني منها رب هذا، ورفع يده مشيرا بسبابته إلى الكعبة المشرفة، فأدرك النائب أنه يخاطب صخرة.

فصل من مهنته، فصار عاطلا بلا عمل، وعلى ظهره مؤنة أسرة كثر عدد أفرادها بولادات جديدة. كانت علاقته جيدة بالمرضى الذين كان يحقنهم أيام عمله ممرضا في المستشفى، فطلبوا منه أن يمر عليهم في بيوتهم لحقنهم، فكان يركب دراجته ويمر على بيت بيت في الوديان والجبال ليعطيهم الحقن، وكانوا يجودون عليه بالنذر اليسير، وكثير منهم كان ضيق الحال فكان يعفيهم من الأجرة مقابل أن يدعوا له ولأولاده، كان قوي الاعتقاد بالله، صادق التوكل عليه، بأنه لن يترك من ضحى بكل شيء لأجل مجاورة أحب البقاع إليه وأطهرها، فكان اعتماده في تلك المرحلة من حياته على صدق التوكل عليه سبحانه وتعالى ثم اتخاذ بعض الأسباب من الدعاء بذاته وبتكليف أسرته كبارا وصغارا بذلك ثم إعطاء الحقن والاقتيات بما يأخذه مقابل ذلك وإن كان لا يفي باحتياجات أسرته الكبيرة العدد.

كانت بناته الصغار يرفعن أكفهن الصغيرة بعد الصلوات والطواف وأوقات الأسحار يدعون لوالدهن العزيز بالفرج، فقد اشتد الضيق بالأسرة حتى بدا وظهر للصغار صعوبة العيش بهذه الطريقة مع محاولة الوالدين إخفاء ذلك عليهم، فأدركوا أن الحالة عصيبة جدا، ولكن لا فرار منها، فهي ضريبة تمسكه بهذه الأرض، وضريبة عشقه إياها والمسجد الحرام والكعبة، لم يكونوا معارضين أو معترضين على موقفه، بل بالعكس كانوا مؤيدين له كامل التأييد، إذ أن عشق هذه الأشياء تربع في قلوبهن الصغيرة الطاهرة كما تربع في قلبي والديهن، فكانت الأكف الصغيرة التي ترفع للدعاء إلى الله بعدم إخراجهم من هذه الأرض وبالفرج لوالدهن لم تكن ترتد إلا وهي مليئة بالدموع، دموع من أعين صغيرة في وجوه صغيرة في أجسام صغيرة.

المرضى كانوا يدعون له، والذين كان يعفيهم من مقابل الحقن لضيق حالهم كانوا يدعون له، وأطفاله الصغار دموعهم على خدودهم من كثرة الابتهال، وزوجته التي كانت تخفي دموعها وراء ابتساماتها لرفع معنويات الأسرة كان موعدها مع الدعاء في المسجد الحرام وقت السحر، أما هو فكان كثير التشبث بأستار الكعبة والملتزم : أن يتقبل الله تضحيتهم بالحياة لأجل أرض ومسجد وبيت. فيا ترى هل كان لذلك أثر ؟

مكة حرسها الله كانت ولا زالت مليئة بأهل الخير الذين نصبهم الله لقضاء الحوائج، ومن هؤلاء رجال كانوا يعرفون ذلك الرجل، ويدركون عظيم تضحيته، والطيور على أشكالها تقع، فسعوا في مساعدته عند ولاة أمر هذه البلدة المباركة، فتحصل على وظيفة، وكان هذا فرجا مشعرا وممهدا لمجيء فرج أعظم منه، كقطرات المطر تسبق الوابل، فسعى أهل الخير كذلك ــ والله لا يضيع عمل العاملين والمحسنين ــ، حتى جاءت الموافقة من الحكومة العلية السعودية بمنح ذلك الهندي الجنسية السعودية.

توظف في الوحدة الصحية المدرسية، وبارك الله في أولاده سواء الذين ولدوا قبل الجنسية السعودية أو بعدها، وأغدق عليهم الخيرات والبركات، وبارك في رزقه، ووسع في عيشه، وأقبلت عليه الدنيا بوجه باسم بعد طول عبوسها، ووفقه الله لتربية أولاده الذكور والإناث وتعليمهم أحسن التعليم، وحصل التعويض عما فات فوق كل تصور وتوقع، ومن المعلوم أن الكريم إذا أعطى فاق عطاؤه عقول السائلين.

توظف الكبار من أولاده بعد إكمالهم التعليم، فزاد الخير حتى استقل الجميع بمسكن (فيلا) يمتلكونه، بعد تنقلاتهم العديدة في مساكن الإيجار، وانتعش الحال كثيرا، حتى ارتقت الأسرة من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الغنية، وصار الجميع يتذكر الأيام الخوالي كذكرى مريرة في حياتهم، وصار الأولاد كثيرا ما يقلبون عيونهم في أكفهم قائلين كانت هذه الأكف يوما ما صغيرة لكنها كانت تمتلئ بالدموع، فالحمد لله الذي استجاب دعاءنا وأبقانا بمنه وفضله جيران مسجده وبيته.

لم يتم ذلك الرجل في مسكنه الجديد المملوك سنة بتمامها، فقد أدى رسالته على أكمل وجه، وأنقذ الباخرة الكبيرة من الغرق، وجرها حتى أوصلها إلى ساحل الأمان، فلم تبق في قلبه حسرة على شيء سوى تخوف من الموت خارج هذه الأرض التي ضحى لأجلها ما ضحى، فاستجاب الله دعاءه كذلك، وقبل إتمام سنة من سكناه بالمسكن الجديد كانت المعلاة ــ مقابر أهل مكة ــ تضم جسده، وقلبه مطمئن لطول نومه في جوف الأرض التي أحبها، ولكون أولاده الصغار الذين عاشوا حياة تعيسة وحرموا من طفولتهم، يعيشون حياة الرخاء والرغد والسعة، والأموال بين أيديهم، وكراسي المناصب تحتهم، والصغار الذين لا زالوا في طريق التعلم سيلحقونهم بإذن الله.

الكثير لم يكن يعرف عن هذا الرجل، وعن حياته، وعن تضحيته لمعشوقته مكة، وعن قوة اعتقاده بالله، وصدق توكله عليه، حتى مضى على وفاته خمس وعشرون سنة فقام أصغر أولاده وآخرهم رؤية له بالكتابة والتعريف عنه في حسابه الخاص على الفيس بوك..........أعرفتم من هذا الرجل ؟. نعم إنه هو... رجل من الهند عشق مكة.

(6) النظارات السوداء وانقلاب الحقائق!.. Dr.Tariq Ali






عندما وضعتُ العَدَسات الشمسية السوداء على نظارتي الطبية أولَ مرة لم أَعُدْ أرَ الحقيقةَ، وإلى الآن كلما أَضَعُها يَتَعَكَّرُ الصفاءُ، فأرى الخارجَ مُظلِما مُخيفا أسودَ، فلا الوجودُ هو ذاك الوجودُ، ولا الوجوهُ هي تلك الوجوهُ، وإذا نَزَعْتُها عادَ كلُّ شيءٍ إلى صفائِه، فأرى الوجودَ صافيا واضحا ناصعا، وأرى الوجوهَ بيضاءَ نقيَّةً.

كثيرٌ من الأشياءِ وُضِعَتْ مُقابِلَها النظاراتُ السوداءُ على العيون، فلا تراها العيون إلا سوادا في سواد.

كثيرٌ من الناس يَلبسُون نظاراتٍ سوداءَ عندَ رؤيتِهِم مفاهيمَ ومبادئَ مُعيَّنةٍ، فالراقي منهم يُخَطِّئُ هذا المفهومَ، والمُتَوَسِّطُ الرُّقِيِّ يُحَذِّرُ منه، وفاقِدُ الرُّقِيِّ بالكُليةِ يُحارِبُه، في حِينِ أنّ هذه المفاهيمَ والمبادئَ قد تكونُ صحيحةً في ذاتِها، أو صحيحةً عندَ مَن تَبَنّاها وَفْقَا لظروفِه، أو على الأقل صحيحةً بوجهٍ من الوُجوه، إذا لَبِسنا نظارةً سوداءَ تُجاه مفهومٍ من المفاهيم، فلماذا لا نُفكِّرُ في نَزْعِها كذلك؟ ها نحن قد نظرنا إليه بالنظارةِ السوداءِ، فَلِمَ لا نُجَرِّبُ النظرَ إليه مِن غيرِها ؟، أو المسألةُ أننا إذا اتّخَذْنا موقِفا سلبيَّا مِن مبدأٍ من المبادئ أو مفهومٍ من المفاهيم يَصْعُبُ علينا التزحْزُحُ من موقِفِنا ؟ (أُسمّي هذا النوعَ من المواقِفِ بالجُمودِ، بل بالغُلُوِّ في الجُمود).

كثيرٌ من الناس يَسْتَقُونَ معلوماتِهم مِن قَنَوَاتٍ مَعْرِفِيَّةٍ تُعَدُّ في غايةِ السَّذاجَة والسطحِيَّةِ والبِدائِيَّةِ ـــ كأغلبِ قنواتِ التعليمِ النظامي مثلا، أقولُ أغلبُ لا كلُّ ـــ، يا سادةُ : التعليمُ النظامي أغلبُ قنواتِه تُسَلِّطُ الأضواءَ على القضايا فقط دونَ الإحاطةِ بها، خصوصا فيما يتعلق بالجانِب النظري، فلا يَظُنَّنَ أحدٌ أنَّ ما تَحَصَّلَه من معلوماتٍ من خلال المناهجِ التعليميةِ يُغنيه عن البحثِ والتنقيبِ والتفتيشِ فيها، فمثلا يَظُنُّ البعضُ أنَّ المسائلَ المطروحةَ في منهج النحو والصرف تَجْعَلُ منه سيبويهَ، أو أنه أخذَ بزِمامِ وخِطامِ علم النحو والصرف، في حِينِ أنّ تلك المسائلَ لا تُؤَهِّلُ دارِسَها إلا لأنْ يكونَ طالبا مُبْتَدِأً في مدرسة النحو والصرف.

وخُذْ مثالا آخر: مناهج التاريخ، فيظنُّ البعضُ أنَّ القُصاصاتِ والمُرَقَّعاتِ الموجودةَ في المنهج عن معركةٍ من المعارك أو حادثةٍ من الحوادث أو دولةٍ من الدول مُسْتَوفِيَةٌ مُحيطةٌ بها، أو أنّ السِّيَرَ المُختصَرةَ للأعلام فيها كافيةٌ للتعرُّفِ جيدا عليها، في حِينِ أنها لا تَعدُو أن تكونَ مُختصَراتٍ مُعتصَراتٍ من المصادر الأصلية، غُرْبِلَتْ غَربلةً يسهُلُ البَلْعُ معها، وقِسْ على ذلك بقيةَ المناهج، ثم قِسْ على ذلك بقيةَ القنواتِ السطحيَّةِ، كالقنواتِ المرئية أو السمعية أو الصحف والمجلات.

يا سادة : من أرادَ المعلومةَ صحيحةً كاملةً مُحيطةً مُستغرِقةً فعليه أنْ يُلازِمَ أوّلا أهلَ الاختصاصِ ويأخُذَ عنهم، ثم يَغوصُ في كُتبِهم، ولا يكتفي بمَرجِع ولا مَرجِعين ولا ثلاثة، وإنما يَجري وراءَ المعلومةَ رافِعاً عن مُحَيَّاها سِتارا ستارا حتى تَبدوَ طلعتُها كطلعة الشمس، وبعدَ هذا كلِّه يَضَعُ احتمالا أقَلُّه نِصفٌ في المئة بأنَّ ما تَوَصَّلَ إليه عن هذه المعلومة قد يكونُ خطأً، لأنَّ ما تَوَصَّلَ إليه وإنْ كان بَعْدَ سَبْرِ الأغوار إلا أنه لا يَعْدُو أن يكونَ اجتهادا شخصيا، والاجتهاداتُ الشخصية لا يُقالُ وراءَها (صدق الله العظيم)!..

فافهموا أوّلا هذه المقدمةَ حتى تفهموا الباقي. لكنّنا مُجتمَعٌ تَعَوَّدَ على التقليد والترديد، ما قالَه آباؤنا أو مُعَلِّمُونا أو أهلُ بلدتِنا تَنْشَلُّ عندَه العقولُ وتَخْوَى أمامَه القُوى الفكريةُ وتَخْمَدُ له الطاقاتُ البشريةُ، فَنَحتوي قولَهم بالتقليد، ثم نتحوَّلُ إلى ببغاواتٍ ونُردِّدُ قولَهم مِن غيرِ تمحيصٍ ولا تحقيقٍ ولا تفتيشٍ ولا تنقيبٍ ولا في التفَكُّرِ فيه مرَّةً في عُمْرِنا. لماذا نتغافلُ عن الضوابطِ العِلميَّةِ والموازينِ العقلية أمامَ المعلوماتِ الطائشة؟، أنا لا أُشَكِّكُ في القنوات التعليمية أو المعرفية، سواءً كانت تلك القنواتُ في شكل أُسرةٍ أو مؤسسة تعليمية أو ثقافةِ مجتمعٍ، وإنما أُحاول تأسيسَ منهجيةٍ علميةٍ للتعاملِ مع المعلومات.

مؤسساتُنا التعليميةُ لم تَأْلُ جُهداً في جمع المعلومات، وتسهيلِها للطلاب، ولكنْ مهما فَعَلَتْ فهي لا تعدو أن تكونَ شخصيةً تُعَبِّرُ عن رأيِها، ومِن حقِّ العقل والعلم أن يُخالِفَها بكلِّ احترامٍ وبلا ازدراءٍ، كذلك المجتمع، ربما لا يُحبِّذُ رؤيةَ الشمس، أو تَعَوَّدَ على عدمِ رؤيتِها، لكنْ لا يَحِقُّ له أنْ يمنعَ مَن حاولَ خلعَ نظارتِه السوداء لرؤيتِها. الحقائقُ كالشمسِ ساطعةٌ، تَحولُ بينَنا وبينَها نظاراتُنا السوداءُ.