الأحد، 28 أكتوبر، 2012

(14) تأملاتٌ في دُروب التنوير.. Dr.Tariq Ali



من عجائب خلق الله تلك الجواهر التي مازجت الأجسام  ذات الأبعاد الثلاثة المحدودة، والتي إن حجَّمها الخيال باعتبار الأعراض القائمة بها ألفاها مدَّ نظره من الجهات الست .

يعرف الفلاسفة العقل بـ (الجوهر المجرد عن المادة في ذاته المقارن لها في أفعاله)، والعلماء وإن اختلفوا في نسبته من الجسم ــ علاقةً ومحلاًّ ــ إلا أنهم أجمعوا على أنه الفارق الذي يُفرز النوع الإنساني عما يشاركه في جنسية الكائن الحي. وبتدقيق النظر في انفعالات العقل الفكرية يخلص الناظر إلى ثلاث نتائج يصلح وصفها بسمات العقل وهي: مرونته التصورية، وسرعته الإدراكية، وسعته الاكتسابية، والأمر الثالث منها هو الذي إن ترجمته ألفاظ العقل لرادفت (هل من مزيد؟!)، وهو الذي يعبر عنه بغذاء العقل أو شهوته - ولا مشاحة في الاصطلاح -.

فالعقل جوهر له متطلباته التي يضمن من خلال تحققها ثلاثة أهداف: حياته، ونموه، والتسلح الوقائي ضد سريان ألد أعدائه وهو الجهل والمحدودية إلى النقاط المركزية محققا بذلك التوازن الاستراتيجي في خارطة أحكامه النظرية. بيد أن الإنسان الذي كتب الله للعقل نكاحه قد تتغلب على بعض أفراده نظرية الوكس في قضية متطلباته إلى حد التهميش بل قصد التهميش، في حين أنه يشعى حثيثا في إشباع شهواته الأخرى كالطعام والشراب والراحة واللهو حتى الفضول في بعض الأحيان، وما ذلك إلا لأن هذا البعض قد جَبَل نفسه على الاستجابة للمحسوسات والاشتطاط على غيرها، وبتوغل هذا البعض في كافة شرائح المجتمع وطبقاته أمست استغاثات العقل وأنّاته ظاهرة اجتماعية تثقل الكفة السلبية مرتقبة النظر في طرفي الداء - السبب والعلاج -.

قد يستغرب البعض إلى حد الضحك والسخرية إذا لفتَّ نظره إلى العقل ومتطلباته، أو عرضت عليه مشروع تخصيص جزء من وقته المستنزف في نزّات الجسد للتفكير في الحفاظ على حيوية العقل بتنميته وتطويره، الأمر الذي يدل على أن قضية العقل لم تخطر ببال الكثير منا -  وعدم شغل بعض القضايا أفكارنا دليل على استهانتنا بها وتحقيرنا من شأنها - فأرى أن السبب الجوهري في إهمال العقل استهانة الواحد منا بقضيته أو عدم الشعور أصلا بأهميته، وإلا كيف يتصور مضي الأربع والعشرين المضروبة في السبعة المضروبة في الأربعة المضروبة في الاثني عشر دون أن يشعر بعضنا أنه كما هو مسئول عن التفكير في أشياء كثيرة هو مسئول بالأولية والأولوية عن التفكير في عقله ومتطلباته وتحقيقها؟ ما هذا إلا لذاك .

ينِضُّ البعضُ حواسَّه الخمسة الظاهرية مستعينا بتجاويف الدماغ وحواسِّه الخمسة الباطنية في تطوير ذاته جسديا، ولكن هل خطر في زحام وظائفه المرؤوسة للجسد أن يطور ذاته ثقافيا وعلميا؟ يأتي الجواب سريعا (مالي وللثقافة ما دمت أرفل في بُردي الصحة والمرح)، إذن عمى بعضنا أو تعاميه عن مبدأ تطوير الذات عقليا من أسباب تقهقر العقل في السلم التوظيفي لصلاحياتنا .

العلاقة الطردية العكسية بين الآباء والأبناء محاطة بهالة من الشفقة والحب المستلزمة لإملاء الآباء خبراتهم وتجاربهم على صحائف عقول الأبناء البيضاء، ولكن هل حثَّ الرعيل السابق الرعيل اللاحق على تبني مبدأ تطوير العقل ثم مبدأ الاستمرار والدوام على ذلك دون تحديده بسن أو مرحلة خاصة؟ أرى كثيرا من الآباء والأمهات بعد تجاوزهم قنطرة إشباع رغبات الأبناء إن أرادوا إساغة لقمة التعليم الغصّة في حلوق أبنائهم أساغوها بكؤوس من الإغراءات بنيل الشهادة ثم الفوز بالوظيفة ثم أخيرا الدخول في جنة المرتبات والماديات، فأين نصيب العقل من هذا التاريخ إذا تجردت أول فرص غذائه - وهي فرصة التعلم - من الاقتناع النابع عن مسئولية الفرد عن سمو عقله؟ ويزداد الطين بلة عندما تُسخّر هذه الفرصة لثقل الماديات كهدف أولي ونهائي، وهكذا يقنع العقل من الغنيمة بالقفول، فأرى أن توليد الأجيال تلو الأجيال مع عدم تطعيمها بمصل تسخير ما يسمى بالعلم حالا والمادة مآلا للعقل وتطويره سبب لظن البعض أن العقل وغذاءه موهوبان للمادة مقيدان بقنواتها، وهذا الظن أشد تأثيرا في محو الهوية الإنسانية من الانشطار النووي .

(من رزق القناعة رزق الغنى)، (القناعة كنز لا يفنى) قاعدتان هادفتان تَغُتّان في حياض الاقتصاد، لكن الأسوأ من جهل توظيف القواعد توطئتها لأخطائنا وإخفاقاتنا كعِلّة مبررة، فالبعض قنوع بثقافة عقله وتطوره المحدود بشهادة برّاقة أو منصب مرموق إما جهلا عن سعة اكتسابات العقل - كما أسلفنا -ـ وإما استنكافا عن الاستزادة والاستمرار، ضرورة أن السير إلى مقام الكمال يقتضي نقصان ما قبله من المقامات، وهذا البعض غير مستعد البتّة للتسليم بمبدأ النقصان خصوصا إذا خصّ شخصه، فأرى أن رضانا وارتياحنا لثقافات عقولنا إلى درجة الاكتفاء والقناعة خنق وتضييق لها، على أن القناعة في الفضائل فشل .

إن خطاب التحاور الثنائي والجماعي الذي يسمعه مجتمعنا يؤكد أن للمجتمع دورا فعالاً في تعليق الشمع الأحمر على أبواب العقول، فلو استقرأنا أو قمنا - فرضاً - بإحصائية عن نجوى أي نجيّين أو أطروحة بعض المجالس فكم يا ترى تكون نسبة تداول المواضيع الفكرية والثقافية والعلمية في هذه الهياكل الاجتماعية؟ الواقع يشهد بأن أغلب مفردات الحوار خالٍ عن المادة الغذائية لتطوير العقل ثقافيا وفكريا وعلميا، بل بعضه ساقط في هوة الانحطاط والابتذال إلى درجة يعجز المرء خجلا عن وصفه، وبما أن الشئ قد يكون متأثرا ومؤثرا في آن واحد فكذلك المجتمع هو متأثر من بعض العقول اللانامية ومؤثر في العقول الفطرية وأحيانا النامية أيضا.

هذه هي الحقائق التي نتعايشها مع صبغها - وبكل أسف -ـ بصبغتي الرضا والتسليم، ومع رفضنا مبدأ التغير والتغيير، مع أن الكون الذي يحيطنا قطره موصوف بالتغير، غير أنه هل خطر ببال أحدنا: أن استشعار الفرد بمسئوليته عن قضية العقل واكتساباته وشغل هذه القضية جزءاً غير قليل من أوقات فكره احترام للعقل ومظهر من مظاهر شكر الله على آلائه، وأن تبني مبدأ التطوير الذاتي ثقافيا وفكريا إلى حد العقيدة ثم تفعيل هذا المبدأ وطرحه عمليا ضمين لتغيراتنا السلوكية إيجابيا، وأن تربية النشء على استقلالية العقل وحقه في الموارد العلمية والمعرفية قَمِنٌ بتغيير مستقبل التاريخ، وأن عدم الرضا بمنازل عقولنا ثورة دموية ضد الجمود الفكري ومحاولة ناجحة لتحرير الذات والمجتمع من استعمار الجهل، وأن الرقي بلغة المجتمع من التقليدية العقيمة إلى الغائية المنتجة الهادفة دقة ناقوس بين يدي الحضارة .
كثير من النتائج شطّت عن نطاق قراراتنا، وهجرت مواقع أهدافنا، ونفِست على فقر عقولنا، حتى أضحى العقل يتعجب من الفلاسفة إذ عرفوه بـــــــــــــــــــــــ(الجوهر المجرد)!.

(13) رب زدني علماً.. Dr.Tariq Ali



أنا لا أوافقك الرأي البتة، لكن ثق تماماً أنني سأقاتلُ بجنونٍ كل من حاول إسكاتكَ عن إبداءِ رأيك. لك حقان علي ولي حق عليك، فمن حقك علي أن تبدي رأيك بكل حرية وشفافية، ومن حقك علي أن أحسن استماعي إليك بكل احترام وإجلال، ومن حقي عليك أن أخالفك الرأي. قد نختلف في الآراء، لكن لا بد أن نتفق في الحرية والاحترام .

(12) اقرأ باسم ربك.. Dr.Tariq Ali



ما حُرم شيءٌ من شيءٍ مثلَ حرمان العيون من القراءة، وحرمان الأنامل من الأقلام، لستُ أدري كيف يطيق نفسه من لا يقرأ، وكيف يتحمل الذي لا يكتب ما بصدره من الأحاسيس والمشاعر والمعاني المتزاحمة، حقاً هناك أمة صابرة ومتحملة، أما أنا فعدم القراءة وعمى العيون عندي مترادفان، وعدم الكتابة والانفجار النووي متقاربان .